يسرّ هيئة تحرير دورية "أسطور" للدراسات التاريخية أن تضع بين أيدي قرّائها ملفًا علميًا خاصًا بتاريخ النساء، يمتد عبر الأعداد التالية من الدورية. ويضم هذا الملف نخبة من الدراسات التي تتناول أوضاع النساء وأدوارهن وتجاربهن في المجال العربي عبر مختلف الحقب التاريخية، بما يعكس تنوعًا في الموضوعات والمقاربات والمصادر المعتمدة. ويأتي هذا المشروع في إطار السعي للإسهام في تطوير البحث التاريخي المتعلق بالنساء وتوسيع دائرة الاهتمام بهذا الحقل المعرفي الذي ظل، على الرغم من التراكم العلمي الذي شهده خلال العقود الأخيرة، أقل حضورًا من غيره من مجالات البحث التاريخي.
ويندرج هذا الاختيار ضمن وعي متزايد بأهمية تاريخ النساء بوصفه أحد المداخل الأساسية لفهم المجتمعات العربية في الماضي. فدراسة تاريخهن لا تسهم فقط في استكمال الجوانب التي أغفلتها السرديات التاريخية التقليدية، بل تتيح أيضًا - وهذا هو الأهم - مقاربة أكثر شمولًا لبنية هذه المجتمعات وتحولاتها، من خلال استحضار أدوار النساء وتجاربهن ومواقعهن داخل النظم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. وتساعد على إعادة النظر في كثير من التصورات الراسخة حول الفاعلين التاريخيين وآليات اشتغال السلطة والعلاقات الاجتماعية، بما يسهم في إعادة بناء فهمنا للماضي في ضوء الأسئلة والمقاربات المستجدة في البحث التاريخي.
ومن هذا المنطلق، يضم الملف مجموعة من الدراسات التي تتناول تاريخ النساء في المجال العربي عبر فترات تاريخية مختلفة ومن زوايا متعددة، إلى جانب مراجعات لعدد من الكتب الصادرة مؤخرًا في حقل تاريخ النساء، وترجمة دراسة مهمة عن المؤرخات في فرنسا. ولا تأتي هذه الترجمة انصرافًا عن موضوع الملف أو مجاله الجغرافي، بل لما تتيحه من إمكانات لتوسيع أسئلتنا حول التاريخ النسوي، والانفتاح على تجارب أخرى في مقاربة الحقل المذكور، بما يسمح بإغناء النقاش العلمي وتجريب المقاربة المقارنة. ولا يروم هذا الملف الإحاطة بمختلف جوانب هذا الحقل أو استنفاد قضاياه، بقدر ما يسعى لتوسيع دائرة الاهتمام به، والتعريف ببعض مساراته البحثية، وتقديم نماذج من الأعمال التي تعكس حيوية هذا المجال وتنوع أسئلته ومصادره.
وفي هذا السياق، يطرح موضوع تاريخ النساء جملة من الملاحظات لا تزال تطبع واقع الكتابة التاريخية العربية، أبرزها:
تتعلق أولى هذه الملاحظات بمحدودية الاهتمام بتاريخ النساء بصورة عامة مقارنة بغيره من الحقول التاريخية التي استأثرت باهتمام الباحثين، سواء تعلق الأمر بالتاريخ السياسي أو الدبلوماسي أو العسكري أو بتاريخ النخب والمؤسسات. وعلى الرغم مما تحقق خلال العقود الأخيرة من تراكمات معرفية مهمة، فإن حضور النساء في الكتابة التاريخية العربية لا يزال دون المستوى الذي يسمح بإدماج تجاربهن في السرديات العامة للمجتمعات العربية.
أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بأن ما أُنجز من دراسات أجنبية/ غربية حول تاريخ النساء في البلدان العربية يفوق ما أُنتج في هذا المجال داخل الأوساط الأكاديمية العربية. فقد استأثر موضوع النساء باهتمام مبكر لدى المستشرقين والباحثين الغربيين منذ القرن التاسع عشر، وإن انطلق هذا الاهتمام، في الغالب، من تصورات ارتبطت بالرؤية الاستشراقية للمجتمعات العربية والإسلامية. وتركزت الدراسات الأولى في قضايا الحريم والحجاب وتعدد الزوجات ومكانة المرأة في الإسلام، بوصفها تعبيرًا عن خصوصية الشرق واختلافه عن الغرب. وأسهمت هذه المقاربة في تكريس قراءات اختزلت أوضاع النساء في تفسيرات ثقافية ودينية عامة، وأنتجت صورًا نمطية أغفلت تنوع التجارب النسائية واختلاف سياقاتها التاريخية والاجتماعية. غير أن هذا الحقل شهد تحولًا مهمًا منذ سبعينيات القرن العشرين، مع صعود التاريخ الاجتماعي ودراسات الجندر التي تبحث في تشكل علاقات الذكورة والأنوثة والسلطة. وانتقل الاهتمام من البحث في وضع المرأة إلى دراسة تاريخ النساء بوصفهن فاعلات تاريخيات، ثم إلى استكشاف أدوارهن الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في المجتمعات العربية والإسلامية.
وتتصل الملاحظة الثالثة بالتفاوت بين الأزمنة التاريخية الذي يميز جانبًا مهمًا من الدراسات المنجزة؛ إذ انصب الاهتمام أساسًا على الفترات الحديثة والمعاصرة، وعلى موضوعات النهضة والإصلاح والاستعمار والحركات الوطنية والنسوية. وقد أفضى ذلك إلى محدودية الدراسات التي تناولت أوضاع النساء وأدوارهن في الفترات القديمة والوسيطة، الأمر الذي جعل جوانب واسعة من تاريخ النساء في المجال العربي لا تزال في حاجة إلى مزيد من البحث والاستقصاء.
وتتعلق الملاحظة الرابعة بالتداخل الذي يطبع أحيانًا البحث التاريخي حول النساء في البلدان العربية والعمل النضالي النسوي الهادف إلى تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها. ومع أهمية الدور الذي اضطلعت به الحركات النسائية في إثارة الانتباه إلى قضايا النساء والدعوة إلى إدراجها ضمن اهتمامات البحث العلمي، فإن الوعي النسوي لا يتعارض مع مقتضيات البحث التاريخي، على أن تُخضع الفرضيات لاختبار المصادر، وتُتجنب الانتقائية وإسقاط مفاهيم الحاضر على الماضي. ومع ذلك، يختلف منطق البحث التاريخي عن منطق العمل النضالي؛ إذ يتعين أن ينطلق المؤرخ من أسئلته الخاصة ومصادره وإشكالاته التاريخية، وأن يستعين بالمناهج والمقاربات التي أفرزتها التحولات الإبستيمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، بما يسهم في فهم أوضاع النساء في مختلف سياقاتها الزمنية والاجتماعية، بعيدًا عن إسقاط التصورات والقيم الراهنة على الماضي؛ إذ إن الغاية من كتابة التاريخ ليست إصدار الأحكام أو الدفاع عن القضايا، بقدر ما هي السعي للفهم التاريخي وتفسير الظواهر في شروطها وسياقاتها الخاصة، "فحين تتداخل أهواء الماضي وتحيزات الحاضر يختل النظر إلى الوقائع".
أما الملاحظة الخامسة، فتتصل بالبنية المؤسسية للإنتاج التاريخي في العالم العربي. فعلى الرغم من التقدم الذي شهده حقل تاريخ النساء خلال العقود الأخيرة، ظل حضوره داخل البرامج الجامعية والمشروعات البحثية والدوريات المتخصصة محدودًا نسبيًا، وهو ما انعكس على حجم الإنتاج العلمي المتخصص ووتيرة تراكمه. ويرتبط ذلك، في جانب منه، بما يبدو من محدودية حضور المؤرخات في بعض المؤسسات الأكاديمية والبحثية العربية؛ وهي مسألة لا تزال في حاجة إلى دراسات دقيقة تكشف مدى انتشارها، وتفسر العوامل البنيوية المرتبطة بمنظومة إنتاج المعرفة التاريخية في العالم العربي. غير أن هذه الملاحظة لا ينبغي أن تحجب حقيقة أخرى تتمثل في أن انخراط أعداد متزايدة من الباحثات في الدراسات التاريخية لم يقترن بالضرورة بالتوجه إلى تاريخ النساء؛ إذ انصرف عدد منهن، شأنهن شأن زملائهن من الباحثين، إلى الاشتغال بموضوعات وحقول تاريخية متنوعة. ومن ثم، فإن محدودية التراكم في هذا المجال لا يمكن تفسيرها بعدد المؤرخات أو حجم حضورهن المؤسسي فحسب، بل تتداخل فيها أيضًا طبيعة الاختيارات البحثية السائدة ومواقع تاريخ النساء ضمن أولويات البحث التاريخي العربي.
انطلاقًا من هذه الملاحظات، يروم هذا الملف الإسهام في توسيع دائرة الاهتمام بتاريخ النساء، من خلال استحضار تجاربهن في مختلف الفترات التاريخية، والتعريف بأحدث الأبحاث المنجزة في هذا المجال، وتشجيع النقاش العلمي حول قضاياه المنهجية والمعرفية. ويسعى لإبراز تنوع أوضاع النساء وأدوارهن عبر الأزمنة والمجتمعات العربية، بما يسهم في بناء معرفة تاريخية متوازنة، ويعيد إدماج النساء بوصفهن فاعلات أساسيات في صناعة التاريخ، لا موضوعات هامشية في السرديات التاريخية.
ويحوي هذا العدد، إلى جانب مواد ملف تاريخ النساء، دراسات أخرى في موضوعات تاريخية متنوعة. بالنسبة إلى مواد الملف، فتضم خمس دراسات لا ترد بالضرورة متتابعة في صفحات هذا العدد، بل تتوزع بين بقية مواده، اتساقًا مع تقليد دورية أسطور للدراسات التاريخية في ترتيب الدراسات كرونولوجيًا بحسب الفترات التاريخية التي تتناولها. تبحث لطفية البوحسيني في أوضاع النساء داخل الأسرة في المغرب الوسيط، مركزةً على القوامة وأساليب التفاوض للحد من آثارها. ويتتبع فارس الأتاسي توسع تعليم البنات في سورية في أواخر العهد العثماني بين الإصلاح الرسمي والمبادرات الأهلية وسياسات العثمنة. وتعيد هدى الصدة قراءة تاريخ الحركة النسوية المصرية باعتباره مسارًا متواصلًا من النضال والتفاوض مع الدولة. ويفحص صلاح الدين بن فرج رهانات تحديث الأسرة التونسية وتجاذباته الفكرية والاجتماعية قبل الاستقلال وبعده. ويقارب وليد الشرقاوي تجربة الناشطات الماركسيات - اللينينيات المغربيات خلال "سنوات الرصاص"، وما تثيره كتابة تاريخهن من أسئلة التأمل والأخلاق والتسمية. كما يتضمن الملف ثلاث مراجعات لكتب تتناول أنثروبولوجيا النساء، والحرية النسائية في تاريخ المغرب الراهن، والنسوية الإسلامية وخطاب ما بعد التحرر في الجزائر، فضلًا عن مادة مترجمة عن تاريخ النساء وأولى المؤرخات المهتمات به في فرنسا خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي أشرنا إليها في مستهل هذا التقديم. وتقدم هذه المواد مجتمعةً، على اختلاف أزمنتها ومقارباتها وأجناسها الكتابية، صورة متعددة الأبعاد لحضور النساء في التاريخ العربي، وتضع تطور الكتابة في تاريخهن ضمن أفق أوسع يتيح الإفادة من تجارب "تاريخية" و"تأريخية" أخرى، وتفتح أسئلة سيواصل الملف استكشافها في الأعداد المقبلة.
يسعدنا في ختام هذه الكلمة التقديمية أن نتوجه بجزيل الشكر والتقدير إلى الباحثة لطفية البوحسيني، التي أعدت الورقة المرجعية لهذا الملف، وأسهمت في مراجعة عدد من الدراسات التي يتضمنها، بما أغنى محتواه العلمي وأسهم في تعزيز تماسكه المعرفي.