ندوة أسطور "مئة عام على وعد بلفور": مقدمة القسم الثاني

مقدمة

"تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ [...] على أن يفهم جليًا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين". كلمات معدودة في نص "إعلان" آرثر جيمس بلفور الصادر عام 1917 في خضم الحرب العظمى، لها كبير الأثر في المسألة الفلسطينية حتى يومنا هذا. فالحقوق السياسية، وهي في قلب كلمة "قوميّ" المستخدمة في الإعلان، هي لليهود فقط. أما الآخرون، فلا حقوق سياسية قومية لهم؛ فهم ليسوا إلَّا "طوائف". وحتى في حال اعتبار أنهم كذلك، لا يستوجب الأمر الإشارة إلى طوائفهم بأسمائها الطائفية في حد ذاتها، بل بصيغة "الطوائف غير اليهودية". فلا هم شعب ذو حقوق سياسية، ولا هم سكان أصليون، ولا حتى رعايا السلطنة العثمانية، على الرغم من أنهم كانوا يشكلون آنذاك غالبية سكان فلسطين.

إن هذا المنطق غير السوي، لم يشكّل بالنسبة إلى وزير الإمبراطورية وحكومتها التي أصدرت الإعلان رؤيةً استعمارية استشراقية فقط، بل إنه - أساسًا - في صلب الفكرة الصهيونية التي لم يجد أصحابها أي إشكالية في استعمار بلد يعيش فيه شعب لديه طموحاته؛ سواء أكانت خاصة به أم جزءًا من طموحات عموم سكان المنطقة. لذا، ليس إعلان "قانون" القومية الإسرائيلي الصادر في 19 تموز/ يوليو 2018 بجديد؛ فهو لا يُقونن الواقع الممارس والمعلن في وثيقة "استقلال" إسرائيل فقط، بل يعيد تأكيد ما التزمت به بريطانيا قبل أكثر من قرن من الزمان أيضًا.

بالطبع، ليست هذه الإشكالية الوحيدة في ما سُمي "الوعد" الذي يمنح جماعة فضفاضة غير معرفة، سوى بكونها ترتبط بدين محدد، أرضًا ليست لصاحب الوعد أو لدولته، بل هي جزء من منطقة مأهولة ذات تاريخ تليد يربطها بما حولها من مناطق أخرى لم يشملها الوعد، وتحكمها دولة أُخرى ذنبها الرئيس أنها تحارب في الصف الآخر في الحرب الأوروبية العظمى (السلطنة العثمانية بطبيعة الحال). فلا الوعد هو لدعم حق شعوب في التمرد على حكامهم المستبدين، ولا هو يعترف حتى بوجود هذه الشعوب. إنه وعدٌ لجماعة تريد أن تخلق أمتها المتخيلة بإرادة "حفنة" من المنظرين السياسيين ومساندة القوى العظمى، مستغلة ظروف الحرب الكونية التي حرقت شرق المتوسط معها ساحةَ صراعٍ ليس لأبنائه ناقةٌ ولا جملٌ في تلك الحرب الأوروبية لتقسيم العالم.

كما أن مشروع استعمار فلسطين الاستيطاني لم يأتِ نتيجةً للوعد فقط، فالمشروع الصهيوني السياسي كان قائمًا منذ عقود قبل إعلان بلفور، والاستيطان الصهيوني سبق الإعلان بنحو أربعين عامًا. لكن ذلك لا يعفي بريطانيا من مسؤولية تبنّيها الرسمي والعلني للمشروع بوصفه جزءًا من مخططاتها للسيطرة على المنطقة؛ فهي التي كانت قد أظهرت مسبقًا نياتها تجاه المشرق العربي العثماني عبر توقيعها مع فرنسا اتفاقيةً لتقسيم المنطقة بينهما عام 1916، وهي الاتفاقية المعروفة باسم اتفاقية سايكس - بيكو، والتي خططت بريطانيا بموجبها للسيطرة على حيفا في شمال فلسطين؛ لكونها ميناءً ملائمًا لعبور النفط العراقي إلى البحر الأبيض المتوسط. وقد شكّل مشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين بالنسبة إليها حجة ملائمة للسيطرة على عموم فلسطين، وتجاوز ما اتُفق عليه مع فرنسا بتدويل هذا البلد.

ولا تعود جذور الإعلان إلى الدور اليهودي الصهيوني في بريطانيا فقط، بل إلى عقلية سادت منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر أيضًا، وهي العقيدة الألفية المسيحانية التي رأت في تجميع اليهود في فلسطين خطوة على طريق عودة المسيح المنتظرة، وقد أُسست جمعيات توراتية - إنجيلية ونشطت في الدعوة إلى مثل هذه الرؤية، وتمكنت من إقناع محمد علي باشا بالسماح بفتح قنصلية بريطانية في القدس، كان أول قنصل لها (بمرتبة نائب قنصل) أحد أشد الدعاة إلى مثل هذا التصور. وفي الجانب الآخر، نشطت الحركة الصهيونية - بعد تأسيسها تحت قيادة ثيودور هرتزل - في التواصل مع الدول العظمى الأوروبية آنذاك لإقناعها بمسألة الدولة اليهودية في فلسطين. وقد اتصل هرتزل بالقيصر الألماني وبدول أخرى محاولًا استمالتهما للمشروع، كما التقى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لمثل هذا الهدف. ولئن كان لقاؤه مع السلطان ما زال موضع نقاش حتى يومنا هذا، وموضع خلاف حول ما إذا كان السلطان قد رفض مثل هذا المشروع أم أخذه في الاعتبار آملًا أن يحظى بدعم يهودي - أوروبي للموازنة العثمانية، فإن بريطانيا وحدها هي التي أعلنت التزامها بمشروع الوطن القومي اليهودي - وإنْ كانت ألمانيا شاركت، ولربما بعض قادة تركيا الفتاة أيضًا، في النقاش مع الصهاينة حول هذا الموضوع؛ كما تشير إلى ذلك رسالة مؤرخة في تشرين الأول/ أكتوبر 1917 أرسلها القنصل البريطاني في بيرن (سويسرا) إلى وزارة الخارجية، مفادها أنّ اجتماعًا قد عُقد في برلين، بين فون كولمان وجمال باشا وشخصية قيادية صهيونية لنقاش مسألة فلسطين. وتشير الرسالة، أيضًا، إلى أن اليهود قد أُعطوا وعودًا بهدف تعاونهم في قروض حرب جديدة.

تُخصص "أسطور" ندوة هذا العدد لموضوع وعد بلفور تاريخيًا وكيفية استقباله عربيًا عبر مشاركة ثلاثة مؤرخين تناولوا جوانب مختلفة من هذا الموضوع. فمشاركة محمد الحزماوي تتناول دور هربرت صموئيل - البريطاني الصهيوني الذي أصبح أول مندوب سامٍ لفلسطين خلال الفترة الانتدابية - في الوعد، وفي تحقيق المشروع الصهيوني. أما جوني منصور، فيدرس ردود الفعل الفلسطينية والعربية تجاه الوعد منذ إصداره حتى اجتماعات مؤتمر الصلح في فرساي بعد نحو عام من الزمن. وفي السياق ذاته، يتناول فتحي ليسير ردود فعل الزعامات العربية تجاه هذا الوعد، وبخاصة قادة الحركة القومية آنذاك.

في الختام، ليس وعد بلفور مسألة تهم دارسي الزمن الغابر، وإن كانت هي نفسها كذلك، لكنّ دراسة الوعد، وظروف إصداره، وردود الفعل تجاهه، والجهود الهادفة إلى تنفيذه، مسألةٌ مهمة أيضًا في إطار فهم نكبة الفلسطينيين وقومجية إسرائيل الحالية في الوقت الراهن، ولا سيما أن تطبيق الوعد بحذافيره قد وصل إلى مرحلته النهائية. ولا شك في أنه من دون فهم العلاقة الوطيدة ما بين الاستعمار البريطاني، ولاحقًا الإمبريالية الأميركية، والحركة الصهيونية منذ العقود الأولى للقرن العشرين، يكون فهمنا للأزمات التي تعصف بالقضية الفلسطينية اليوم سطحيًا في أحسن الأحوال.

عصام نصار

شراء هذا العدد الإشتراك لمدة سنة

ملخص

زيادة حجم الخط

مقدمة

"تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ [...] على أن يفهم جليًا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين". كلمات معدودة في نص "إعلان" آرثر جيمس بلفور الصادر عام 1917 في خضم الحرب العظمى، لها كبير الأثر في المسألة الفلسطينية حتى يومنا هذا. فالحقوق السياسية، وهي في قلب كلمة "قوميّ" المستخدمة في الإعلان، هي لليهود فقط. أما الآخرون، فلا حقوق سياسية قومية لهم؛ فهم ليسوا إلَّا "طوائف". وحتى في حال اعتبار أنهم كذلك، لا يستوجب الأمر الإشارة إلى طوائفهم بأسمائها الطائفية في حد ذاتها، بل بصيغة "الطوائف غير اليهودية". فلا هم شعب ذو حقوق سياسية، ولا هم سكان أصليون، ولا حتى رعايا السلطنة العثمانية، على الرغم من أنهم كانوا يشكلون آنذاك غالبية سكان فلسطين.

إن هذا المنطق غير السوي، لم يشكّل بالنسبة إلى وزير الإمبراطورية وحكومتها التي أصدرت الإعلان رؤيةً استعمارية استشراقية فقط، بل إنه - أساسًا - في صلب الفكرة الصهيونية التي لم يجد أصحابها أي إشكالية في استعمار بلد يعيش فيه شعب لديه طموحاته؛ سواء أكانت خاصة به أم جزءًا من طموحات عموم سكان المنطقة. لذا، ليس إعلان "قانون" القومية الإسرائيلي الصادر في 19 تموز/ يوليو 2018 بجديد؛ فهو لا يُقونن الواقع الممارس والمعلن في وثيقة "استقلال" إسرائيل فقط، بل يعيد تأكيد ما التزمت به بريطانيا قبل أكثر من قرن من الزمان أيضًا.

بالطبع، ليست هذه الإشكالية الوحيدة في ما سُمي "الوعد" الذي يمنح جماعة فضفاضة غير معرفة، سوى بكونها ترتبط بدين محدد، أرضًا ليست لصاحب الوعد أو لدولته، بل هي جزء من منطقة مأهولة ذات تاريخ تليد يربطها بما حولها من مناطق أخرى لم يشملها الوعد، وتحكمها دولة أُخرى ذنبها الرئيس أنها تحارب في الصف الآخر في الحرب الأوروبية العظمى (السلطنة العثمانية بطبيعة الحال). فلا الوعد هو لدعم حق شعوب في التمرد على حكامهم المستبدين، ولا هو يعترف حتى بوجود هذه الشعوب. إنه وعدٌ لجماعة تريد أن تخلق أمتها المتخيلة بإرادة "حفنة" من المنظرين السياسيين ومساندة القوى العظمى، مستغلة ظروف الحرب الكونية التي حرقت شرق المتوسط معها ساحةَ صراعٍ ليس لأبنائه ناقةٌ ولا جملٌ في تلك الحرب الأوروبية لتقسيم العالم.

كما أن مشروع استعمار فلسطين الاستيطاني لم يأتِ نتيجةً للوعد فقط، فالمشروع الصهيوني السياسي كان قائمًا منذ عقود قبل إعلان بلفور، والاستيطان الصهيوني سبق الإعلان بنحو أربعين عامًا. لكن ذلك لا يعفي بريطانيا من مسؤولية تبنّيها الرسمي والعلني للمشروع بوصفه جزءًا من مخططاتها للسيطرة على المنطقة؛ فهي التي كانت قد أظهرت مسبقًا نياتها تجاه المشرق العربي العثماني عبر توقيعها مع فرنسا اتفاقيةً لتقسيم المنطقة بينهما عام 1916، وهي الاتفاقية المعروفة باسم اتفاقية سايكس - بيكو، والتي خططت بريطانيا بموجبها للسيطرة على حيفا في شمال فلسطين؛ لكونها ميناءً ملائمًا لعبور النفط العراقي إلى البحر الأبيض المتوسط. وقد شكّل مشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين بالنسبة إليها حجة ملائمة للسيطرة على عموم فلسطين، وتجاوز ما اتُفق عليه مع فرنسا بتدويل هذا البلد.

ولا تعود جذور الإعلان إلى الدور اليهودي الصهيوني في بريطانيا فقط، بل إلى عقلية سادت منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر أيضًا، وهي العقيدة الألفية المسيحانية التي رأت في تجميع اليهود في فلسطين خطوة على طريق عودة المسيح المنتظرة، وقد أُسست جمعيات توراتية - إنجيلية ونشطت في الدعوة إلى مثل هذه الرؤية، وتمكنت من إقناع محمد علي باشا بالسماح بفتح قنصلية بريطانية في القدس، كان أول قنصل لها (بمرتبة نائب قنصل) أحد أشد الدعاة إلى مثل هذا التصور. وفي الجانب الآخر، نشطت الحركة الصهيونية - بعد تأسيسها تحت قيادة ثيودور هرتزل - في التواصل مع الدول العظمى الأوروبية آنذاك لإقناعها بمسألة الدولة اليهودية في فلسطين. وقد اتصل هرتزل بالقيصر الألماني وبدول أخرى محاولًا استمالتهما للمشروع، كما التقى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لمثل هذا الهدف. ولئن كان لقاؤه مع السلطان ما زال موضع نقاش حتى يومنا هذا، وموضع خلاف حول ما إذا كان السلطان قد رفض مثل هذا المشروع أم أخذه في الاعتبار آملًا أن يحظى بدعم يهودي - أوروبي للموازنة العثمانية، فإن بريطانيا وحدها هي التي أعلنت التزامها بمشروع الوطن القومي اليهودي - وإنْ كانت ألمانيا شاركت، ولربما بعض قادة تركيا الفتاة أيضًا، في النقاش مع الصهاينة حول هذا الموضوع؛ كما تشير إلى ذلك رسالة مؤرخة في تشرين الأول/ أكتوبر 1917 أرسلها القنصل البريطاني في بيرن (سويسرا) إلى وزارة الخارجية، مفادها أنّ اجتماعًا قد عُقد في برلين، بين فون كولمان وجمال باشا وشخصية قيادية صهيونية لنقاش مسألة فلسطين. وتشير الرسالة، أيضًا، إلى أن اليهود قد أُعطوا وعودًا بهدف تعاونهم في قروض حرب جديدة.

تُخصص "أسطور" ندوة هذا العدد لموضوع وعد بلفور تاريخيًا وكيفية استقباله عربيًا عبر مشاركة ثلاثة مؤرخين تناولوا جوانب مختلفة من هذا الموضوع. فمشاركة محمد الحزماوي تتناول دور هربرت صموئيل - البريطاني الصهيوني الذي أصبح أول مندوب سامٍ لفلسطين خلال الفترة الانتدابية - في الوعد، وفي تحقيق المشروع الصهيوني. أما جوني منصور، فيدرس ردود الفعل الفلسطينية والعربية تجاه الوعد منذ إصداره حتى اجتماعات مؤتمر الصلح في فرساي بعد نحو عام من الزمن. وفي السياق ذاته، يتناول فتحي ليسير ردود فعل الزعامات العربية تجاه هذا الوعد، وبخاصة قادة الحركة القومية آنذاك.

في الختام، ليس وعد بلفور مسألة تهم دارسي الزمن الغابر، وإن كانت هي نفسها كذلك، لكنّ دراسة الوعد، وظروف إصداره، وردود الفعل تجاهه، والجهود الهادفة إلى تنفيذه، مسألةٌ مهمة أيضًا في إطار فهم نكبة الفلسطينيين وقومجية إسرائيل الحالية في الوقت الراهن، ولا سيما أن تطبيق الوعد بحذافيره قد وصل إلى مرحلته النهائية. ولا شك في أنه من دون فهم العلاقة الوطيدة ما بين الاستعمار البريطاني، ولاحقًا الإمبريالية الأميركية، والحركة الصهيونية منذ العقود الأولى للقرن العشرين، يكون فهمنا للأزمات التي تعصف بالقضية الفلسطينية اليوم سطحيًا في أحسن الأحوال.

عصام نصار

المراجع